الخطيب البغدادي

132

تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )

ففتح ، فاستطابه ، وَقَالَ : أخرجوا منه قليلا . فأخرج منه مقدار ثلاثين ، أو أربعين مثقالا ، فاستعمل منه فِي الحال ما أراده ، ودعا بعتيدة لَهُ فجعل الباقي فيها ليستعمله عَلَى الأيام ، وأمر بالحب فختم بحضرته ورفع . ومضت الأيام وولى المقتدر الخلافة ، وجلس مع الجواري يشرب يوما وكنت عَلَى رأسه ، فأراد أن يتطيب فاستدعى الخادم وسأله ، فأخبره بمثل ما أخبر به أباه وأخاه ، فَقَالَ : هات الغوالي كلها . فأحضرت الحباب كلها فجعل يخرج من كل حب مائة مثقال وخمسين ، وأقل وأكثر ، فيشمه ويفرقه عَلَى من بحضرته حتى انتهى إِلَى حب الواثق فاستطابه ، فَقَالَ : هاتم عتيدة حتى يخرج إليها من هذا ما يستعمل ، فجاءوه بعتيدة وكانت عتيدة المكتفي بعينها ، ورأى الحب ناقصا والعتيدة فيها قدح الغالية ما استعمل منه كبير شيء ، فَقَالَ : ما السبب فِي هذا ؟ فأخبرته بالخبر عَلَى شرحه ، فأخذ يعجب من بخل الرجلين ويضع منهما بذلك ، ثم قَالَ : فرقوا الحب بأسره عَلَى الجواري ، فما زال يخرج منه أرطالا أرطالا ، وأنا أتمزق غيظا ، وأذكر حديث العنب وكلام مولاي المعتضد ، إِلَى أن مضى قريب من نصف الحب ، فقلت لَهُ : يا مولاي إن هذه الغالية أطيب الغوالي وأعتقها ، وما لا يعتاض منه ، فلو تركت ما بقي فيها لنفسك وفرقت من غيرها كان أولى . قَالَ : وجرت دموعي لما ذكرته من كلام المعتضد فاستحيى مني ورفع الحب ، فما مضت إلا سنين من خلافته حتى فنيت تلك الغوالي ، واحتاج إِلَى عجن غالية بمال عظيم . أخبرنا عَلِيّ بن المحسن بن عَلِيّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : أجري فِي مجلس أَبِي يوما ذكر المقتدر بالله وأفعاله ، فَقَالَ بعض الحضار : كان جاهلا . فَقَالَ أَبِي : مه ؟ فإنه لم يكن كذلك ، وما كان إلا جيد العقل ، صحيح الرأي ، ولكنه كان مؤثرا للشهوات ، ولقد سمعت أبا الْحَسَن عَلِيّ بن عِيسَى يقول : وقد